أفلا يتفكرون | غادة طنطاوي
06 يناير 2019
0
277

 

أم و أب و بيت هاديء، أول صوت يعلو فيه هو صوت طفلٍ صغير يهبهم إياه الإله، يكبر هذا الطفل صاحب البسمة البريئة، و رؤية الحياة البسيطة، الخالية من كل ما يعكر صفو الأيام، ليحيا عالم الطفولة الوردي، بقلب أبيض ممتلئ بالحنان و الحب، لا يشغل تفكيره سوى ألعابه و محيطه، و إن استرسلت في الوصف لن يكفيني مائة مقال.

لكن ما يقلقني في وقتنا الحالي، هو عقل ذاك الطفل و ما ينتظره تبعاً لتطور العصر الحديث، و التقنية التي اعتلت عرش ذلك التطور، حتى أصبحت شبحاً خيم على كل منزل و استعمر عقل كل طفل، بدايةً من وسائل الإعلام و ما تروج له من برامج و رسوم متحركة لا أجد فيها سوى ثقافة البلادة الذهنية، و ما أن ينتهي فيلم حتى يتبعه آخرٌ على نفس نسق الغباء و البلاهة الذي يرغب الغرب زرعها في عقول أطفالنا حتى يصيبهم عقم التفكير و عجز المنطق الذي يبني به الفرد أي مجتمع إيجابي و ناجح.
اختفت برامج جيل الطيبين التي تربينا عليها، المناهل، سلامتك و إفتح يا سمسم.. و حتى رسومنا المتحركة كانت مفيدة و تتسم بالبراءة، هايدي، رحلة روبنسون كروزو و حكايات عالمية.. كانت تحمل رسالة تعليمية في إطار مسلٍ و هادف. اليوم لا أرى سوى ثندر بيردز، الجاسوسات و صائدوا التنين، مضيعة للوقت بدون أي رسالة سوى التحليق في عالم المستحيل مما يدفع الطفل أحياناً لتقمص تلك الشخصيات و الوقوع في المشاكل.

و إن نجا الطفل من التلفاز، فهناك فخٌ آخر يتربص له، الألعاب الألكترونية، التي لا تكاد تجد طفلاً إلاّ و في بيته هذان الجهازان التقنيان.. أحدهما ينمي الغباء و الثاني يزرع العنف، اختفى كمبيوتر صخر للعائلة بألعابه الهادفة كلعبة الشاطر حسن و الآلة العجيبة، و حلت محلها ألعاب ذاع صيتها بأنها عنيفة و خطيرة، الحوت الأزرق، مريم و كول أوف ديوتي.

و الأمر لا يتوقف عند الطفولة، فهو غزو فكري بخطة محبوكة تضمن الإستمرارية لمرحلة المراهقة، فبعد الغباء و العنف تأتي نظرية إثارة الغرائز و نشر الفكر الإباحي في إعلانات الملابس، الصور المتداولة على مواقع التواصل الإجتماعي. إختفى مسلسل فل هاوس و برنامج اليكتريك كومباني و حل محله مسلسل سيمبسون المثير للجدل و بيفز آند بت هيد

و الشاهد هنا.. بيننا الكثير من المفكرين و المتعلمين، كيف غابت هذه الحقيقة الجلية عن أعينهم..!! لم يعد الإستعمار يستهدف الكبار و أصبح يسعى وراء لبنة المجتمع الأولى، أما آن الأوان لأولي الألباب أن يتفكروا..

بقلم : غادة ناجي طنطاوي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

منطقة الاعضاء

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظه لـصحيفة شبكة الاعلام السعودي 2016 , تصميم واستضافة مؤسسة الابداع الرقمي