صحيفة شبكة الاعلام السعودي
الرحلة
15 أغسطس 2020
2
243

أضيئت إشارة ربط أحزمة المقاعد وإغلاق الهاتف المحمول ولازال يتحدث مع رئيسه في العمل، بينما كانت والدته تتصل على هاتفه الشخصي الآخر ولم يستطع الرد عليها..
وجاءت المضيفة لتخبره بأنه قد حان وقت الإقلاع، فأنهى المكالمة على عجالة لأنه سيلتقيه عند وصوله في الإجتماع، وقرر أن يعاود الإتصال بوالدته ما أن يصل..
أغلق عينيه لمدة خمس دقائق وهو يفكر في الإجتماع الأخير الذي لم يجر بالشكل المطلوب، والأعمال المتأخرة التي عليه إنجازها..
وما أن اضيئت إشارة فك ربط الأحزمة حتى هرع إلى جهاز الحاسوب وبدأ يعمل..
ولم ينتبه إلا على وجبة العشاء وهي تُقدم له، فرفضها لإنشغاله واكتفى بكوب القهوة الذي صار جزءا من كيانه..
وبينما هو منهمك في العمل اهتزت الطائرة، وأضيئت إشارات ربط الأحزمة مرة أخرى، وأطفئت الإضاءة، وانطلق صوت قائد الطائرة معلناً عن وجود عطل في أحد المحركات..
لم يفزع!
ولكن توقف تفكيره لمدة دقائق وخطر بباله هاجساً أفزعه..
ماذا لو لم أستطع سماع صوت أمي بعد اليوم؟
كان علي أن أرد على اتصالها..
ولاحت له صورة ابنته وهي تودعه وترجوه ليبقى دقيقة لتريه كشف درجاتها في المدرسة، ولكنه لم يستطع الإنتظار حتى لا تفوته الرحلة، ووعدها بهدية حين يعود..
فكر في آخر مرة زار فيها قبر أبيه ودعا له بالرحمة وقد مضى على ذلك زمناً..
جاءت هزة أخرى في الطائرة أقوى من سابقتها وبدأ الناس بالصياح والاستغفار..
فاستدرك أنه لم يصل المغرب وقرر أن يجمعه مع العشاء حين يصل..
تذكر فجأة أنه لم يأكل شيئاً منذ الصباح وقد رفض أيضاً وجبة الطائرة..
حاول أن يدعو وأن يطلب الرحمة من الله وهو يتمنى أشياءاً بسيطة كان يراها دوماً من المسلَمات..
تمنى فقط لو رأى عيني ابنته وسمع صوت والدته وزار قبر أبيه..
وأن يعتذر من عامل محطة الوقود الذي صاح به ليلة أمس..
تمنى لو يُمنح فرصة أخرى حتى يرى الحياة من منظور آخر ويحاول الإستمتاع بكل ما تعمد فقده..
وقطع على نفسه عهداً لو أنجاه الله أن يستدرك كل ما فاته..
وفجأة، عادت الإضاءة وجاء صوت قائد الطائرة يطمئن الركاب بأن العطل تحت السيطرة وبأنهم سيصلون قريبا بأمان..
ظل مشدوهاً لفترة لا يعلمها وكأن الزمن قد توقف فيها، ولم يفق إلا على صوت احتكاك عجلات الطائرة بالمدرج فحمد الله على السلامة وأغلق حاسوبه ليضعه في الحقيبة، ووقف ينتظر أن يفتح باب الطائرة..
فجاءه اتصال من زوجته تسأله إن كان سيأتي للعشاء فأجاب للأسف.. سأخرج من المطار إلى الشركة فلدي اجتماع مهم!

د.ندا الزايدي
استشارية الطب النفسي


  1. ابنتي د ندا ملهمة مزجت بين علم النفس والادب فقدمت صور كثير ممن في المجتمع اثناء الخوف والندم على ما فرطوا فيه وما ان يشعروا بالامان يكون تفريطهم اكبر حقيقة اقدر موهبتك ما شاء الله بارك الله

  2. ماشاءالله تبارك الرحمن أجدت في سرد الواقع المؤلم لغالبية الناس وأسلوبك الشيق أبدع في أثارة هذا الأسلوب
    وأتمنى كإقتراح وضع رأيك في ماذكرته من منظور الطب النفسي. تحياتي ومزيدا من الإبداع والتميز 🌹 🌹 🌹 🌹 🌹 🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات الكتاب

اعترافات
19 سبتمبر 2020 || 37 || 0
سفيرة ولكن! | منى الزايدي
18 سبتمبر 2020 || 32 || 0
كلمة
12 سبتمبر 2020 || 80 || 0
الحب اللامشروط | منى الزايدي ‬
11 سبتمبر 2020 || 71 || 0

منطقة الاعضاء

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

© 2016-2020 جميع الحقوق محفوظة صحيفة شبكة الاعلام السعودي تصميم و استضافةمؤسسة الإبداع الرقمي

This site is protected by wp-copyrightpro.com