هروب مؤقت | غادة طنطاوي
10 مارس 2019
0
198

 

في كثير من الأوقات يعترينا حنين إلى ماضٍ كان في يومٍ ما في خيالنا مثالي، حالة عاطفية تستحوذ على تفكيرنا لنسترجع مشاعراً عابرة و لحظات سعيدة من الذاكرة، ليس بالضرورة عن حالة حب عشناها، أو عن حبيبٍ فقدناه، من الممكن أن تكون ذكريات من مرحلة الطفولة الخالية من أي مسؤوليات أو مخاوف، صور يتسم طابعها بالراحة و الأيام الدافئة، لوقتٍ كان بالنسبة لك كل شيء فيه جيد، و كان جميع من حولك فيه سعيد، و تتمنى لو أنك تعود لتحيا تلك الحالة ولو للحظات.

انها حالة تعتري الجميع، أطلق عليها علماء النفس مصطلح “نوستالجيا”، و أنا أقول بأنها آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية، عندما تتكالب عليه الضغوط النفسية و عوارض الحياة. لذا نراها شائعة في أوقات الملل، الخوف أو الشعور بالوحدة، أو عند شعور شخص ما بأن حياته فقدت قيمتها و أصبحت تتغير للأسوأ، عندها يقوم العقل البشري باستدعاء ذكريات دافئة مطمئنة تعطيه جرعة تلزمه للتأقلم مع صراعاته الحالية، و قد تكون في بعض الأحيان سبيلاً ناجحاً في التصدي لبعض نكسات الاكتئاب العابرة.

يرفض عقلنا الباطن واقعنا الحالى.. فيلجأ بعضنا للعزلة عن واقعه المرير، و يختلي بنفسه مع ذكريات ماضيه، و على قدر جمالها الا أنها مخيفة بعض الشئ، فقد تتحول تلك الحالة الجميلة تدريجياً إلى ظاهرة مرضية يصعب علاجها، لأنها تتعدى الهروب المؤقت من المسؤوليات لتصبح هروباً من الواقع نفسه، يجعل الفرد سجيناً في ماضيه و يفصله عن الحقيقة.

و للتنويه، فإن أكثر ما رأيت من حالات مشابهة لما وصفت، يعتري فئة من الشباب ما زالوا في ربيع العمر، و لم يصل بهم قطار الحياة لمحطة يمكن وصفها بالعجز.. فالشعيرات البيضاء التى بدأت فى الظهور على رأسهم لم تتمكن من إخفاء لونه الحقيقى بعد.. ولكنهم يتصرفون وكأنهم قد بلغوا من العمر أرذله. والطريف في الأمر.. أننا نهرب لزمن لم يكن جميلاً في الحقيقة كما نتخيله الآن..!! فستينات القرن الماضى لم تكن أياماً سهلة.. وثمانينات نفس القرن كانت عصراً ذهبياً لأزمات اقتصادية طاحنة.. بالإضافة إلى شبكات متهالكة من المواصلات و الإتصالات، أي أن الحال الآن أفضل

كل إنسان يفخر بجذوره القديمة و ماضيه، و هذا أمرٌ مهم، لكن الأهم أن ندرك ما نحن عليه الآن!!. لنصنع واقعاً ملئ بأحلام لمستقبل مشرق. و لا تنسوا أن لكل عصر جماله و ذكرياته.. تفائلوا بخيركم القادم حتى تجدوه.. فمن لا يحلم بالمستقبل.. حتماً لن يصنعه!!

بقلم: غادة ناجي طنطاوي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

منطقة الاعضاء

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظه لـصحيفة شبكة الاعلام السعودي 2016 , تصميم واستضافة مؤسسة الابداع الرقمي