أفلا يتفكرون | غادة طنطاوي
06 يناير 2019
0
192

 

أم و أب و بيت هاديء، أول صوت يعلو فيه هو صوت طفلٍ صغير يهبهم إياه الإله، يكبر هذا الطفل صاحب البسمة البريئة، و رؤية الحياة البسيطة، الخالية من كل ما يعكر صفو الأيام، ليحيا عالم الطفولة الوردي، بقلب أبيض ممتلئ بالحنان و الحب، لا يشغل تفكيره سوى ألعابه و محيطه، و إن استرسلت في الوصف لن يكفيني مائة مقال.

لكن ما يقلقني في وقتنا الحالي، هو عقل ذاك الطفل و ما ينتظره تبعاً لتطور العصر الحديث، و التقنية التي اعتلت عرش ذلك التطور، حتى أصبحت شبحاً خيم على كل منزل و استعمر عقل كل طفل، بدايةً من وسائل الإعلام و ما تروج له من برامج و رسوم متحركة لا أجد فيها سوى ثقافة البلادة الذهنية، و ما أن ينتهي فيلم حتى يتبعه آخرٌ على نفس نسق الغباء و البلاهة الذي يرغب الغرب زرعها في عقول أطفالنا حتى يصيبهم عقم التفكير و عجز المنطق الذي يبني به الفرد أي مجتمع إيجابي و ناجح.
اختفت برامج جيل الطيبين التي تربينا عليها، المناهل، سلامتك و إفتح يا سمسم.. و حتى رسومنا المتحركة كانت مفيدة و تتسم بالبراءة، هايدي، رحلة روبنسون كروزو و حكايات عالمية.. كانت تحمل رسالة تعليمية في إطار مسلٍ و هادف. اليوم لا أرى سوى ثندر بيردز، الجاسوسات و صائدوا التنين، مضيعة للوقت بدون أي رسالة سوى التحليق في عالم المستحيل مما يدفع الطفل أحياناً لتقمص تلك الشخصيات و الوقوع في المشاكل.

و إن نجا الطفل من التلفاز، فهناك فخٌ آخر يتربص له، الألعاب الألكترونية، التي لا تكاد تجد طفلاً إلاّ و في بيته هذان الجهازان التقنيان.. أحدهما ينمي الغباء و الثاني يزرع العنف، اختفى كمبيوتر صخر للعائلة بألعابه الهادفة كلعبة الشاطر حسن و الآلة العجيبة، و حلت محلها ألعاب ذاع صيتها بأنها عنيفة و خطيرة، الحوت الأزرق، مريم و كول أوف ديوتي.

و الأمر لا يتوقف عند الطفولة، فهو غزو فكري بخطة محبوكة تضمن الإستمرارية لمرحلة المراهقة، فبعد الغباء و العنف تأتي نظرية إثارة الغرائز و نشر الفكر الإباحي في إعلانات الملابس، الصور المتداولة على مواقع التواصل الإجتماعي. إختفى مسلسل فل هاوس و برنامج اليكتريك كومباني و حل محله مسلسل سيمبسون المثير للجدل و بيفز آند بت هيد

و الشاهد هنا.. بيننا الكثير من المفكرين و المتعلمين، كيف غابت هذه الحقيقة الجلية عن أعينهم..!! لم يعد الإستعمار يستهدف الكبار و أصبح يسعى وراء لبنة المجتمع الأولى، أما آن الأوان لأولي الألباب أن يتفكروا..

بقلم : غادة ناجي طنطاوي


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منطقة الاعضاء

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظه لـصحيفة شبكة الاعلام السعودي 2016 , تصميم واستضافة مؤسسة الابداع الرقمي