هل التطرف الديني الذي وصل لحد التكفير .. أسهمت فيه سياسات دولية جائرة ؟| اللواء د. شوقي صلاح
22 فبراير 2018
0
198

 سلسلة مقالات مواجهة الفكر المتطرف

 

     نعم الفكر التكفيري لتنظيمات كالقاعدة وداعش ومن على دربهم واقع له شواهد على مر التاريخ، بدأت فصوله بظهور الخوارج في عهد الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه.. رفعوا المصاحف على أسنة الرماح ومعنى ذلك أنّ القرآن حكم بينهم، ليدعوا جيش علي إلى التوقف عن القتال ويدعون علياً إلى حكم القرآن، وفسر علي كرم الله وجهه موقفهم هذا بقوله ” كلمة حق يُراد بها باطل “؛ كما قال الإمام « سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم يقول : سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجراً لمن قتلهم عند الله يوم القيامة »؛ والمَلمَح الذي يهمنا إبرازه في سياق مقالنا هذا أن الباعث الرئيسي للخروج على ولي أمر المسلمين وقتها هو الوصول للسلطة.. !

   هذا والفكر التكفيري الذي تنتهجه التنظيمات الإرهابية مكمن خطورته ما يُرَتبه المكفرون من استحلال للدماء والأعراض والأموال.. وهم لا يكفرون فقط من ينكرون وجود الله؛ ويكفرون أيضاً المنتمين إلى أي دين غير الإسلام؛ بل ويكفرون المسلمين ممن هم خارج تنظيماتهم.. وخطورة هؤلاء أنهم أن دعواهم المنحرفة ربما تكون أكثر جذباً لغيرهم خاصة إذا عززتها سياسات دولية جائرة.. فماذا تنتظر بعد غزو تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة للعراق 2003 وما ترتب عليه من دمار وخراب للدولة العراقية؛ ثم إعلان وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2005 استراتيجية الفوضى الخلاقة.. ورأينا تطبيقات هذه الفوضى على مسرح أحداث منطقة الشرق الأوسط عام 2011 وما ترتب عليها من انهيار دول كليبيا واليمن، وأضرار جسيمة نالت الدولة السورية؛ وكادت مصر أيضاً أن تسقطها براثن الفوضى.. وقامت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بدور رائد وتاريخي في الحفاظ على استقرار الأوضاع بمصر والمنطقة العربية.. .

    ولعل الدليل الدامغ على انحراف هذه السياسات الدولية عن جادة الصواب أنها كانت موضعاً للانتقاد من قبل الغرب أنفسهم؛ ولعلنا نذكر في هذا السياق موقف الرئيس الأمريكي ترامب خلال معركته الانتخابية في السباق  الرئاسي؛ حيث هاجم باراك أوباما والمرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون واتهمهما بتأسيس تنظيم (داعش)، كما اتهم الادارة الاميركية بزرع الفوضى في الشرق الاوسط…! فماذا تنتظر بعد الخراب الذي حل بالدول المشار إليها.. وهل تلوم أهل هذه الدول لانضمامهم لأي تنظيم يستهدف مصالح من كان وراء تدمير دولهم ؟ وهكذا الأمر بالنسبة لإعلان أمريكا نقل سفارتها للقدس.. أليس في هذه السياسة دعوة للتطرف ؟

ولمواجهة القرار الأمريكي فقد اتخذت الدول العربية موقفاً سياسياً رافضاً للقرار؛ كما تم مواجهته في الأمم المتحدة بشكل جعل موقف أمريكا وإسرائيل من القضية منعزلاً عن الموقف العالمي منها، وفي أعقاب الإعلان المشار إليه فقد أصدر الديوان الملكي السعودي تصريحاً جاء فيه ” تابعت حكومة المملكة العربية السعودية ـــ بأسف شديد ـــ إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارتها إليها، وقد سبق لحكومة المملكة أن حذرت من العواقب الخطيرة لمثل هذه الخطوة غير المبررة وغير المسؤولة، وتعرب عن استنكارها وآسفها الشديد لقيام الإدارة الأمريكية باتخاذها، بما تمثله من انحياز كبير ضد حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية والثابتة في القدس والتي كفلتها القرارات الدولية ذات الصلة وحظيت باعتراف وتأييد المجتمع الدولي “.

ولعل أخطر تبعات قرار ترامب بنقل سفارته للقدس لم نره بعد؛ ألا وهو ردود أفعال التنظيمات الإرهابية التي تتوشح بعباءة الإسلام، خاصة وهي في مرحلة ما قبل الانهيار.. فالقرار ربما يمنحهم فرصة ذهبية في ادعاء البطولة؛ من خلال توجيه ضربات للمصالح الإسرائيلية على مستوى العالم، وبهذا يظهرون بمظهر المكافحين ضد الاستعمار، وهو ما يجعلهم أكثر قدرة على استقطاب المزيد من الأتباع، ويساعدهم كثيراً في محاولة الانتقال من دائرة الإرهابيين لدائرة أخرى شرعية ألا وهي دائرة المحاربين المدافعين عن قضية عادلة لتحرير وطن من الاستعمار.. لذا لم نستغرب من موقف الدكتور محمد بديع ـــ المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين الإرهابية ـــ عندما طلب الكلمة من قاضيه الذي يَمثُل أمامه في محاكمته عن جرائمه الإرهابية، وبعد أن سُمح له بالخرج من القفص ليدافع عن نفسه أمامه مباشرة، قإذا بالمتهم يترك قضيته المُتهم فيها ويطلب من القاضي إخلاء سبيله ليقوم بواجبه في الجهاد من أجل تحرير بيت المقدس الذي يتعرض للضياع بعد قرار ترامب…! قالها مرشد تنظيم الإخوان اتجاراً بالقضية ليس أكثر.. فقد ظل تنظيمه في سدة حكم مصر سنة كاملة ولم يحرك ساكناً في هذه القضية..!

المتهم/ محمد بديع يطلب من القاضي إخلاء سبيله ليحرر القدس.. !

 

هذا وإذا كانت استراتيجية الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش والتي صدرت عامي 2002 و 2006 أهم ما ورد بها من توجهات هو ما يتعلق بالقيام بضربات استباقية« Pre-emptive Strategy »  أي الهجوم وتدمير العدو قبل أن يتمكن من شن هجومه، وهذا تدخل في إطار الحرب الوقائية..! وكان أبرز تطبيقاتها غزو العراق، إلا أن الرئيس الأمريكي السابق أوباما اتجهت استراتيجيته (عام 2010) نحو ما أطُلق عليه ” الصبر الاستراتيجي ” ليفسح الطريق للجماعات الإرهابية والفوضى لحرق المنطقة.. كما تبنى ما يعرف بــ ” استراتيجية الأمن القومي الذكي” والتي لا تستند فقط إلى القوة العسكرية، فتحرك غالبية خيوط اللعب من الصفوف الخلفية؛ ولنعد بالذاكرة أيضاً لاستراتيجية ( الفوضى الخلاقة ـــ Creative chaos) التي أعلنت عنها كونداليزا رايس وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن في أبريل 2005، وذلك من خلال حديثها الصحفي بجريدة واشنطن بوست، حيث أشارت في هذا الشأن إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تهدف إلى نشر الديمقراطية بالعالم العربي، وتشكيل ما وصفته بالـ ” الشرق الأوسط الجديد ” !!!  

   كما شاهدنا حلقات من مسلسل توظيف الإرهاب ضد الدول العربية وبخاصة مصر؛ في محاولات مستميتة من دول الشر لإسقاط الدول العربية في مستنقع الفوضى وإرغامها للاستجابة لإملاءاتهم وأطماعهم. أما ما يتعلق باستراتيجية ترامب للأمن القومي الأمريكي، والتي أعلن عنها في الثامن عشر من ديسمبر 2017 فإن أخطر ما ورد بها ما يتعلق بفرض السلام بالقوة.. وهو ما يجب أن نحذر منه، فالمقصود به فرض السلام وفقاً لرؤية إسرائيلية أمريكية وفرضه على دول المنطقة.. هذا وجدير بالذكر أن شرعية الجهاد لتحرير القدس يمكن أن يصبح مرتكزاً جاذباً يمكن أن تستقطب به قوى الإرهاب أنصاراً لها.. .

       وإن جاز لي توجيه رسالة للرئيس ترامب فليكن فحواها : أحذرك سيادة الرئيس من اللوبي الإسرائيلي؛ فهو السبب المباشر في تلك الهزيمة السياسية المدوية لقرارك بشأن القدس؛ وهذا اللوبي سيستمر في مسلسل استنزافك لتصبح أسيراً لهم؛ وبالتالي يتم تسخير إمكانات دولتك لتحقيق مصالح دولة الاحتلال، مع إيهامك بأنهم أقوى الداعمين لك.. وأخشى ما أخشاه تورط أمريكا في حروب سيكون الجميع فيها خاسراً.. ولهذا اللوبي مع أوباما ــ رغم ما قدمه لهم من دعم غير مسبوق ــ ماراثون طويل أنتم أكثر العارفين به.. سيادة الرئيس الشعب الأمريكي أولى أن يكون هو أقوى الداعمين لك.

القارئ الكريم ليكن مقالنا القادم في سلسلة المقالات التي تعالج مواجهة الفكر المتطرف حول :

            ” اليمين المتطرف على مسرح الإرهاب العالمي “

 

خالص تقديري واحترامي لأسرة تحرير صحيفة الشبكة العربية السعودية

 

بقلم : لواء دكتور شوقي صلاح

خبير مكافحة الإرهاب

عضو هيئة التدريس بأكاديمية الشرطة المصرية


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

منطقة الاعضاء

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظه لـصحيفة شبكة الاعلام السعودي 2016 , تصميم واستضافة مؤسسة الابداع الرقمي