تراجيديا الظل
01 سبتمبر 2016
0
284

أخرج رصيفه من جيبه، ونثره أمامه وظل ينتظر بعض الوقت.

يتلفت بقلب مشروخ، تلوكه الحيرة دون أن تلفظه.
نبضه المتناثر، وأحلامه المكسورة تشي بأنه قادم من شرق عمره.
كان مزملا بفرح خلق، وأغنيات هرمة ماعاد بمقدورها أن تواري شظف حزنه بعد أن رأى حنينه مصلوباً على بوابة الرحيل.
كان يسير وحده، يفكر وحده، ويحزن وحده، كان وحيداً من كل شيء حتى من ظله.

يقال: أن الأرض وهبته للمسافات، حين رأته يُحدِّج النجوم، ويسأل السماء عن صواع الحظ.
ثم عادت تدحرجه باتجاه النسيان حتى انمحت ذاكرته فتجمدت أحزانه، واستحالت إلى لعنة باردة تمتص رحيق الفرح من أيامه، وتحيلها إلى حكايات جافة نضبت منها التفاصيل فغدت حياته بلا بكاء، أو انتظار، أو خطيئة.

ظلت خطاه تتناسل كلما عانقت التراب، تؤزها أحلامه المكسورة، وآيات الحظ المحرفة تبارك وقعها، والريح من حوله تفي بوعد الأرض للمسافات فتشط به بعيداً عن حافة الوصول،
حتى أنه لم يعد يقيم سرادقاً لأحلامه المكسورة بل غدا يحمل سرادقه في صدره وكلما أدرك أن حلماً تشظى ذراه مع الريح وأقام عزاءه على عجل وأكمل طريقه متوكئاً بقية أحلامه، يرافقه ظل محموم مشبع بالسخط.

ظل أعواماً يركض في أزقة العمر محتمياً بظله، يلوذ به كلما أمعن النهار في سرد حكاية الشمس ،حتى اكتهل ظله فجأة، ونمت على أطرافه التجاعيد، وحين عجز الظل عن الاستمرار في صَوْن صاحبه، تفتت، وتساقط على شواطئ الطين.

بين أن يفوه بوجعه، أو يظل معتمراً كبرياءه، ثقب أسود من يصله أولاً يمنح الآخر فرصة البقاء.
لم يكن بمقدوره وقد خرس الوجع سوى أن يرقب ظله يتفتت أمامه، وأن يعُبَّ الحرقة بنهم
ويغرق في تجاويف الصمت العميقة، وهو يشيع الظل بنظرة أخيرة.
كان المشهد ثقيلاً، دافق الحزن، ناتِئ الوجع، بحجم طعنة.

لا تثقوا بظلالكم كثيراً فإنها تشيخ ويلفها البِلَى، وحين تعضها الشمس يترمد الحنين داخلها ثم تغادر دون أن تترك أثراً.

اغتسل من بقايا ظله ولم يقم عزاءه المعتاد، لم يكن لديه هذه المرة ما يطعمه الريح
الأحلام تولد فينا وتموت معنا، والظل يولد معنا ويموت لوحده.
قال ذلك وهو يتوكأ بقية أحلامه، بعد أن وعى أن الأحلام المكسورة أقل وجعاً من غياب الظل.

بروحه المخدوشة، وقلبه الحافي أكمل طريقه باتجاه الليل مقتفيا ًأثر النجوم.
الليل يمده بالانعتاق من عبودية الظل، ويمنحه ذاكرة جديدة.

تغدو ذاكرتك صدئة حين يتفتت ظلك، وتبدو ككائن شفاف يخترقك الضوء، ولا يتخللك الهواء.

أدرك أخيراً أن طريق الليل لا يلد الضوء دائماً، ولا يغري الصدى بالعودة.
طريق الليل عالق في الأبد، موغل في الصدفة.
وحده الفراغ كان يحتضنه وهو يرقى في الثلث الأخير من العمر، يفتش عن أفق أخضر يقيم به نافلة الفرح علَّها تجب ما قبلها من خطيئة الحزن .

بقلم : حسن الرحماني


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

منطقة الاعضاء

قناة شبكة الاعلام السعودي

تابعنا على الفيس بوك

جميع الحقوق محفوظه لـصحيفة شبكة الاعلام السعودي 2016 , تصميم واستضافة مؤسسة الابداع الرقمي